الأحد، 19 فبراير 2023

مع الأنصار

سيَرُ السادةِ الأنصار رضوان الله عليهم مما تنتعشُ به النفوسُ المؤمنة وترتوي منه الأرواح الظمأى لِمجدٍ مؤثَّلٍ وفخارٍ ثابتِ الأصول شاهق الفروع، وتتراقص منه القلوبُ طربًا وأُنسًا.. قومٌ اصطفاهم المولى عز وجل لنصرة نبيِّه ﷺ والذب عنه وبذْل النفس والنفيس حياطةً للدين واعتزازًا به، وسمَّاهم في كتابه وعلى لسان رسوله الأنصارَ وكانوا أقوَمَ الناسِ بهذا الحقِّ وأخلَقَهُم بتلك الفضيلة، ومناقبُهم جمَّةٌ غزيرةٌ يعجزُ عن حصرِها الكلامُ ويضيق عن بسطِها المقام، ومكانتهم عند الله وعند رسولِه رفيعةٌ سامقةٌ تضافرَتْ بها نصوص الوحي الشريف قرآنًا وسنَّة.


وأواصر القربى والرحِم بين رسول الله ﷺ وبين الأنصار ممتدةٌ قبل مولده الشريف فإن أمَّ جدِّه عبد المطلب: سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجية من بني عدي بن النجار، واشتدت تلك الأواصر حين التقى ﷺ بطليعةِ الأنصارِ الميمونة وهم ستةُ نفرٍ من الخزرج فأسلموا وصدَّقوا، ثم لقيَ اثنَيْ عشرَ رجلًا منهم في السنة التي بعدها فبايعوه بيعة العقبة الأولى، ثم كانت بيعة العقبة الثانية التي امتدَّتْ فيها وشائج الحبِّ والانتماء واتصلَتْ حبالُ النصرة والمؤازرة، وكانت مِهادَ الهجرةِ المباركة التي تبدَّلَ على أثرِها الوجهُ الكالح للدنيا بوجْهٍ آخرَ برَّاقٍ ناضر الطلعة مشرقِ البسماتِ!


ومن لطيف ما يتعلق بالمناسبة بين رسول الله ﷺ وبين الأنصار: أنَّ أمَّ إبراهيم بن النبي ﷺ من الرضاعة هي: أمًّ بردةَ بنت المنذر بن زيد بن لبيد، وهي ابنةُ عمِّ سلمى بنت عمرو السالفِ ذكرُها، وهي من بني عدي بن النجار أحد بطون الخزرج.


وفي بعض أحاديث النبي ﷺ عن ذكرياته، أنه كان يحدِّث أصحابَه عن أمورٍ وقعَت له في مقامه بالمدينة وهو صغير، ولمَّا نظرَ إلى أُطُمِ بني عديِّ بن النجار، عَرَفه فقال: "كنتُ ألاعب أنيسةَ -جارية من الأنصار- على هذا الأطم، وكنتُ مع الغلمان من أخوالي نُطيِّرُ طائرا كان يقع عليه"، ونظر إلى الدار فقال: "هاهنا نزلَت بي أمي، وفي هذه الدار قبرُ أبي عبدِ الله، وأحسنتُ العومَ في بئر بني عدي بن النجار".


ومن أكرمِ الأبياتِ في الأنصار: أهلُ بيتِ أنس بن مالك، وهُم من أدنى الأنصار إلى النبي ﷺ نسبًا وبيتًا ومنزلة، فأمُّ أنس= أم سليم بنت ملحان، وخالتُه= أمُّ حرام، شهيدة البحر، وخالَاهُ= سُليم وحرام، شهيدا بئر معونة، وعمُّه= أنس بن النضر، شهيد أُحُد صاحب الموقف الشهير حيث يقول: "إني لأجد ريح الجنة دون أُحد"، وهم من بني عدي بن النجار من الخزرج، رهطِ سلمى بنت عمرو أمِّ عبد المطلب، ينضَمُّ إليهم= أبو طلحة زيدُ بن سهل أحدُ بني مالك بن النجار، وهو زوجُ أمِّ سليم، ووالدُ عبدِ الله بن أبي طلحة.


ومن لطيفِ ما يَحسُنُ ذكره هنا: أن من أقاربِ أنس بن مالك= حارثة بن سراقة النجاري، وأمُّه الربيعُ بنت النضر عمَّة أنس، وهو أوَّلُ شهيدٍ يومَ بدرٍ قبل بدْء القتال، وقد أصاب الفردوس الأعلى من الجنة، ومنهم= عبدُ الله بن عمرو أحدُ بني مالك بن النجار ويقال له: أبو أُبَيَّ بنُ أمِّ حرام، وأمه= أم حرام خالةُ أنس، ومن جميل ما اتفق بين أنسٍ وابنِ خالتِه هذا= أنهما ممن أسلَم قديمًا وصلَّى القبلتين، وأنهما من فضلاء الصحابة وخيارهم، ثم كان أنس آخرَ الصحابة موتًا بالبصرةِ، وكان أبو أُبَيٍّ آخرهم موتًا بفلسطين.


ومن تلك الأبيات الكريمة أيضا: بيتُ أمِّ عمارة، وهي= نسيبةُ بنت كعب، المرأةُ الشجاعة الباسلة التي كانت تقاتلُ في المعارك النبوية قتال الرجال الأبطال، وكان زوجها السابق زيد بن عاصم، وابناها منهُ حبيبٌ وعبدُ الله، ثم زوجها الآخِرُ غزيَّةَ بن عمرو= من أبطال الجهاد الإسلامي، وهم من بني مازن بن النجار، وقد استُشهدَ حبيبُ على يد مسيلمة الكذاب، ثم كان مقتَلُ مسيلمة شَرْكةً بين أخيه عبدِ الله وبين وحشي بن حرب.


ومن الأبيات الباذخة في الأنصار= أبياتُ بني حرام: جابرُ بن عبد الله، وأبوه= عبد الله بن عمرو، شهيدُ أحُدٍ الذي كلَّمَه الله عز وجلَّ بعدَ موته كفاحًا، وعمَّاتُه= فاطمةُ وهند ابنتَا عمرو، وعمرو بنُ الجَموحِ= زوجُ هندٍ الشهيدُ الأعرج، وأبناؤه الأبطالُ= معاذ ومعوذ وخلَّاد بنو عمرو بن الجموح، والحُبابُ بن المنذر بن الجَموح صاحبُ الرأي يومَ بدرٍ ويومَ سقيفة بني ساعدة، وعُميْر بن الحمام بن الجموح الذي ألقى التمرات من يده يومَ بدرٍ ثم قاتل حتى استُشهد، وهم من بني سلِمة بن الخزرج.


ومما اشتُهر عن النبي ﷺ قولُه: "خيرُ دُور الأنصار= بنو النجار، ثم بنو عبدِ الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دُور الأنصار خير"، وفي بعض الروايات= يسبقُ بنو عبدِ الأشهل بني النجار، ومن الاتفاقات اللطيفة الغريبة أن سادة هذه البطونِ كلُّهم يحملون لفظَ السعد في أسمائهم، فنقيبُ بني النجار: أسعدُ الخيرِ بن زرارة، وسيدُ بني عبد الأشهل: سعدُ بن معاذ، ونقيب بني الحارث: سعدُ بن الربيع، ونقيبُ بني ساعدة بل سيِّد الخزرج: سعدُ بن عبادة!


ومن الروابط الحسنة الجميلة في الأنصار= تلك الرابطةُ بين سيِّدَيْ قومهما: أسعد بن زرارة وسعد بن معاذ، فإنهما ابنا خالة، أمُّ أسعد= سعادُ بنت رافع، وأمُّ سعد= كبشة بنت رافع، وهُما من الخزرج، من بني خدرة، ومِن خيار نساء الأنصار، وأما سعد وأسعدُ، فإنهما مِن أَسْعَد الأنصارِ بمعاقدِ السعدِ في الدنيا والآخرة، فإنَّ أسعدَ= أولُ الأنصار إسلاما على قولٍ، وقدِم المدينة بالإسلام ودعا إليه فشاع فيهم، وأما سعدُ= فما أن أسلمَ حتى ما أمسى في قومِه رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلمًا، وهذا مِن يُمْنِ نقيبته فيهم، وكلاهما له المواقف المحمودةُ المشهودة المسطورة في التاريخ بأحرفٍ من نور، وكان أسعدُ أولَ الخزرج وفاة بالمدينة بعد الهجرة، واهتز عرشُ الرحمن لموت سعد بن معاذ.


وإلحاقًا بهذا الحديث، فإنَّ البراءَ بنَ معرورٍ سيدَ الأنصارِ وكبيرَهم ورئيسَ بني سلِمة من الخزرج، كانت أمَّه: الربابَ بنت النعمان بن امرئ القيس الأشهلية، وهيَ عمَّة سعدِ بن معاذ.


ومن هذه الروابط أيضا: أنَّ عفراء وجعدة، ابنتَيْ عبيد بن ثعلبة من بني مالك بن النجار، كانتا أختين، وكان لعفراء: معاذ ومعوذ وعوف، الأبطال المعروفون يومَ بدر، وكان لجعدة: حارثة بن النعمان الذي سمع النبي ﷺ قراءته في الجنة، وكان أبَرَّ الناس بأمِّه.


ومن أبياتِ الأنصار الذين كانوا نَسَقًا في المكرمات دينًا ودنيا: بيتُ قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، كان لهم أُطُمٌ بالمدينة ينادى فيه على الطعام، وكانوا من أكرم الناس وأسخاهم يدًا، وبيتُ حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، أربعة شعراء على نسقٍ واحد، وأهل بيت أبي سعيدٍ الخدري، وهو سعدُ بن مالك بن سنان، صحابيٌّ ابنُ صحابيٍّ ابنِ صحابي، وعبيدة بن رفاعة بن رافع الزرقي، كلهم صحابةٌ أيضا، وكان يحيى بن خلاد بن رافع الزُّرقي قد وُلِد على عهد النبي ﷺ، فحنَّكه بتمرةٍ وقال: "لأسمِّينَّه باسمٍ لَمْ يسَمَّ به أحدٌ بعدَ يحيى بن زكريا"، فسمَّاه يحيى.


ومن كريم ما اختُصَّ به جماعةٌ من الأنصار: أن جمَعَ اللهُ ﷻ لهم شرفَ الهجرةِ إلى شرف النصرة، فكان يقال لأحدهم= مهاجريٌّ أنصاري، أقاموا مع النبي ﷺ بمكة حتى هاجر، فهاجروا معه، فهُم: ذكوان بن عبدِ قيس، من بني زريق بن عامر بن زريق من الخزرج -وقيل إنه أولُ الأنصار إسلاما مع أسعد بن زرارة-، وزيادُ بن لبيد، من بني بياضة بن عامر بن زريق، والعباس بن عبادة بن نضلة، من بني سالم بن عوف من الخزرج، وعقبة بن وهب الغطفاني، حليفُ بني الحُبلى -وهم بنو سالم بن غنم من الخزرج-، وقيل إنه أولُ الأنصار إسلاما.


ويُذكَر فيهم: عبد الله بن أنيس الجهني، حليفُ بني سواد بن غنم من بني سلمة من الخزرج، وهو رجلٌ أرسلَه النبي ﷺ سريَّةً وحدَه لقتْلِ رجلٍ يقال له: سفيان بن خالد، أو خالد بن سفيان الهذلي، وكانت العلامةُ التي يعرفه بها= أنه يجدُ لرؤيته قشعريرة، وكان عبدُ الله لا يخافُ أحدا، فلمَّا رأى سفيانَ أصابتْه قشعريرة، فلمَّا قتله عاد إلى النبي ﷺ، فدعا له وأعطاه عصا وقال: "آيةُ بيني وبينك يوم القيامة، إنَّ أقلَّ الناسِ المتخصِّرون يومئذٍ"، فضمَّها إليه في كفنه ودُفِنَت معه يوم مات.


ويلحق بهم: حذيفةُ بن اليمانِ العبسي، حليفُ بني عبد الأشهل من الأوس، وقيلَ إن النبي ﷺ خيَّرَه بين الهجرة والنصرة فاختار النصرة، ويُذكَرُ فيهم: سالمُ بن مَعقل مولى أبي حذيفة بن عتبة، فإنَّه يُعد في المهاجرين لأنه مولى لأبي حذيفة وهاجرَ معه، ويُعَدُّ في الأنصار لأنه كان مولى لثُبيتة بن يعار، من بني مالك بن عوف من الأوس، وهي امرأةُ أبي حذيفة بن عتبة، فأعتقَتْه سائبةً، وكان من خيار أصحاب النبي ﷺ.


وكان سعد بن عبادة الساعديُّ هو الأنصاريَّ الوحيدَ الذي ناله مِن أهل مكةَ ضربٌ ونكال، ضربوه لياليَ بيعةِ العقبة حتى تركوه كأنه نُصُبٌ أحمر!


ومن اللطائف أيضا: أن رجلًا من بني زريق بن عامر يقال له: سفيان، كان له ابنانِ هما: جابرُ وجُنادةُ، نزلوا بمكة، ثم هاجروا إلى الحبشة، ثم عادوا إلى المدينة مع جعفر بن أبي طالب، وجابر وجنادة هما أَخَوَا شُرحبيل بن حسنة لأمِّه.


وكان رجلٌ يقال له: أبو قيس، واسمهُ صرمة بن أبي أنس من بني عدي بن النجار، قد ترهَّبَ في الجاهلية ولبِس المُسوحَ وفارَق الأوثان واغتسَل من الجنابة واجتنبَ أمورا من المنكرات، واتخذ بيتًا يعبد اللهَ فيه على الحنيفية، فلما قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، أسلمَ أبو قيسٍ وحسُن إسلامه وكان شاعرًا مُجيدًا له أشعار حسنة، منها أبياتٌ في ذكْرِ نصرة الأنصار لرسول الله ﷺ وإيوائهم له حالَ صُدُوفِ الناس عنه، كان ابنُ عباس يختلف إليه ليتعلَّمها منه.


وهذا حديثٌ يأخذنا إلى أحدوثةٍ مُماسَّةٍ له، فإنَّ رجلًا يقال له: سويدُ بن الصامت، من بني عمرو بن عوف من الأوس، كانت أمُّه= ليلى بنت عمرو النجارية أخت سلمى بنت عمرو، فهُو ابن خالةِ عبد المطلب بن هاشم، لقيَ هذا الرجلُ رسولَ الله ﷺ في بعض المواسم فسمِع منه القرآن، فاستحسنه، ثم لم يلبِث أن قُتِلَ يوم بعاث، ويذكُر رجالٌ من قومه أنه مات مسلما.


وصِنْوُ هذه الحكايةِ ما وقعَ لشابٍّ حديثِ السنِّ رقيق النفسِ، قدِمَ مكة مع نفرٍ من قومِه من بني عبد الأشهل من الأوس، رئيسُهم أبو الحيسرِ أنسُ بن رافع، يلتمسون حلفا من قريش على الخزرج، فلقيَهم النبي ﷺ وعرَض عليهم الإسلامَ، فتراقَصَ فؤادُ ذلك الشاب نشوةً بما سمع، وأخبرَ قومَه أن ما سمعوا خيرٌ مما جاؤوا له، فانتهره أبو الحيسر وانصرف عن المجلس، فلما رجعوا إلى المدينة لم يطُلْ بذلك الفتى المقامُ حتى هلك، ويحكي رجالٌ من قومِه أنهم سمعوه حالَ احتضاره يسبح ويكبر ويهلل.. إن ذلك الفتى الحديثَ السنِّ كان إياسَ بن معاذ، أخو سعد بن معاذ، فلا غرو إذنْ!


وكان لأبي الحيسر هذا ابنانِ أسلَما وشهِدا بدرا وأُحدا، وهُما الحارثُ وشريك، واستُشهد الحارث يومئذٍ.


وكان حنظلةُ بن أبي عامر، من بني ضبيعة بن زيد من الأوس، قد تزوَّجَ جميلةَ بنت عبد الله بن أُبَيِّ، من بني الحبلى من الخزرج، وكانا ممن يصحُّ فيه قولُ الحق ﷻ: { يُخرج الحيَّ من الميِّتِ }، فهُما صحابيان كريمان، لكنَّ أبَوَيْهما كانا من رؤوس الكفر والنفاق، فإن أبا عامرٍ كان يقال له في الجاهلية= الراهب، فلما جاء النبي ﷺ بالدين الحنيف، ناصبَهُ أبو عامرٍ العداء، ولم يألُ جهدًا في محاربته والإيضاعِ في كلِّ موطنِ عداوةٍ وكيدٍ له، ومواقفُ خزْيِه وكفره كثيرة، آخرُها= أنه خرج إلى هرقل يلتمس منه النصرةَ على رسول الله ﷺ، ثم أوحى إلى أوليائه أن يتخذوا مسجد الضرار، مسجد الفسق والفجور الذي أمرَ النبي ﷺ بتحريقِه.


وأما عبد الله بن أُبَي= فرأسُ النفاق المعروف المشهور، الذي لو كان الخزيُ في جحرٍ لَتَتبَّعَه حتى يناله، وكلاهما كان سيِّدَ قومِه في الجاهلية، ولكن وضَعُهما اللهُ في الإسلام!


وكان ممن ابتُلي في شأن مسجد الضرار: مجمِّع بن جارية، من بني عمرو بن عوف من الأوس، كان غلامًا وكان ممَّن جمع القرآن على عهد النبي ﷺ إلا سورةً أو سورتين، فقدموه إمامًا في ذلك المسجد وهو لا يدري أنه مسجدُ سوء، وكان رجلًا صالحا.


وكان عمير بنُ سعدٍ الأوسي من بني أمية بن زيدٍ يقال له: نسيجُ وحْدِه، سمَّاه بهذا الاسم عمرُ بن الخطاب، وحسبُكَ بهذا الاسم مِن مثلِ عمرَ.. وعمير هذا كان ربيبًا للجلاس بن سويد بن الصامت، فسمِعَه مرةً يقول كلمةً فيها تكذيبٌ للنبي ﷺ، فلم يملِكْ عميرٌ أن أخبر بها رسولَ الله ﷺ، فأنكَرَ الجلاسُ أن يكون قالها، فأنزلَ اللهُ ﷻ على رسوله ﷺ: { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمةَ الكفر وكفروا بعد إسلامهم }، فاعترف الجلاس وتاب مما قالَ وحسنتْ توبتُه، وأخذ النبي ﷺ بأُذُن عمير وقال: وفتْ أذنُكَ يا غلام، وصدَّقَكَ ربُّكَ.


ومما امتاز به السادة الأنصار مِن حميد المناقب= أنَّ شُعراء رسولِ الله ﷺ كانوا من الأنصار، وهم: حسان بن ثابت النجاري، وكعب بن مالك السلَّمي، وعبدُ الله بن رواحة الحارثي، وأن خطيبَ رسول الله ﷺ منهم، وهو= ثابت بنُ قيس بن شماس الحارثي، وأنَّ فيهم أقْرَأَ الأمة وهو= أبيُّ بن كعب النجاري، وأفْرَضَ الأمة وهو= زيدُ بن ثابت، وأعلمَ الأمة بالحلال والحرام وهو= معاذ بن جبل، وأنَّ فيهم حكيمَ أمةِ محمد ﷺ وهو= أبو الدرداء الحارثي، وكل هؤلاء من الخزرج.


ومما يُلحَقُ بهذا الباب= ما جاء عن عائشة أم المؤمنين: ثلاثةٌ من الأنصار لم يكن أحدٌ يعتدُّ عليهم فضلا، كلُّهم من بني عبد الأشهل: سعدُ بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر.. وكان أسيد وعبادُ عندَ رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة، فلما خرجَا من عنده أضاءت عصا أحدِهما فمَشَيَا في ضوئها، فلمَّا تفرَّق بهما الطريق، أضاءت عصا الآخرِ!


وجاء عن أنس بن مالك أن أربعةً جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ كلُّهم من الخزرج: أبيُّ بن كعب وزيدُ بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد.


وكان في الأنصارِ رجالٌ مِن الكمَلَة -والكامل عند العرب: مَن يحسن الكتابةَ والعومَ والرمي-، منهم= سعدُ بن عبادةَ الساعدي الخزرجي، وأسيد بن حضير الأشهلي، وأوسُ بن خوليٍّ الخزرجي أحدُ بني الحبلى، ورافعُ بن مالك الزرقي الخزرجي.


وكان الأنصار الذين يُكثرون إلطافَ رسول الله ﷺ: سعد بن عبادة الساعدي وعمارة بن حزم النجاري وأبو أيوب النجاري وسعد بن معاذ الأشهلي، وسئل زيدُ بن ثابت أن يحدثهم عن رسول الله ﷺ، فقال: ماذا أحدثكم؟ كنتُ جار رسول الله ﷺ فكان إذا نزل عليه الوحي أرسلَ إليَّ فكتبتُ له، وكنا إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكلُّ هذا أحدثكم عنه؟!


وقد اختلف القولُ في أولِ الأنصار إسلاما بين سويدِ بن الصامت الأوسي من بني عمرو بن عوف، وبين أسعد بن زرارة النجاري وذكوان بن عبد قيس الزُّرقي وهما خزرجيان، وبين جابر بن عبد الله بن رئاب السلَّمي الخزرجي، وبين عقبة بن وهب الغطفاني حليف بني سالم بن غنم من الخزرج.


ومن اللطائف: أن رافعَ بن مالك بن العجلان الزُّرَقي الخزرجي كان أوَّلَ الأنصار قدِمَ بالقرآن إلى المدينة بسورة يوسف، ثم أعقَبَه قتادة بن النعمان الظَّفَري الأوسي بسورة مريم وكان يحبها ويُكثر قراءتها، فكان قومُه يستهزؤون به ويقولون: قد جاءكم زكريا، لكثرةِ ما في السورة مِن اسمِ زكريا!


ومن شريفِ أخبار النساء الأنصاريات، أنَّه حضرَ بيعةَ العقبةِ منهن امرأتان: أمُّ عمارة المازنية، وأم منيعٍ السَّلمية، وهما من الخزرج.. وكان فيمن بايَعَ بيعةَ الرضوان منهن: أمُّ عمارة، وسلمى بنت قيس، وأمُّ هاشم بنت حارثة بن النعمان، والربيع بنت معوذ بن عفراء، وكلهن من بني النجار، والفريعة بنت مالك بن سنان الخدريَّة، وهنَّ جميعًا من الخزرج.. وأمَّا أمُّ الضحَّاك بنت مسعود من بني حارثة بن الحارث من الأوسِ، فشهِدَت خيبرَ مع النبي ﷺ، فأسْهَمَ لها سهْمَ رجٌلٍ.


وكانت أسماء بنت يزيد بن السكن من بني عبد الأشهل= ابنةَ عمَّةِ معاذ بن جبل، وهي التي سألت النبي ﷺ عن شأن النساء فقال لأصحابه: " هل سمعتم امرأة أحسنَ مسألة في دينها من هذه؟"، ثم بشَّرها بما عادتْ به فرِحَةً مسرورةً.. أمَّا خنساءُ بنت خذام من بني عمرو بن عوف فزوَّجَها أبوها وهي كارهةٌ، فردَّ رسول الله ﷺ على أبيها نكاحَه، وخيَّرها فيمن شاءت.


وكانت معاذة بنت عبد الله الخزرجية، من بني خدارة بن عوف بن الحارث= مولاةَ عبدِ الله بن أبيٍّ المنافق، وكان يُكْرِهها على البغاء وهي تأبى، فأنزلَ اللهُ في شأنها: { ولا تُكرهوا فتياتِكم على البِغاء إن أردنَ تحصُّنًا لِتبتغوا عرَضَ الحياة الدنيا }.


وكان سلمةُ بن صخر الخزرجي -وهو من بني زيد بن عبد مناة، حلفاء بني بياضة من الخزرج- قد جعَل على نفسِه ألا يواقِعَ امرأتَه شهرا وكان ذلك في رمضان، فوقَعَ عليها في نصف رمضان، فذهب إلى النبي ﷺ الله عليه وسلم فأخبره، فسألَه النبي ﷺ هل يستطيع عتقَ رقبة، فأجابَ أنْ لا، فسأله هل يقدِرُ أن يصومَ شهرين متتابعيْنِ، فلم يقدر، فسألهُ هل يستطيع أن يُطعم ستين مسكينا، فقال: لا، فأمَرَ له النبيُّ ﷺ بِمكْتَلٍ فيه طعام يتصدق به، فحَلَفَ للنبي ﷺ أنْ ليس بين لابَتَيِ المدينة أحوَجُ إلى الطعام منه، فضحك النبيُّ ﷺ وأمرَه أن يذهبَ بالطعام إلى أهله!


وكان سلَمةُ هذا أحدَ البكَّائين، الذي تولَّوا وأعينُهم تفيضُ من الدمع حزَنًا أن لم يجدوا ما ينفقون.


ومِن طريف ما ورد في أخبار بيعة النساء= ما ذكرَتْه أم عطية الأنصارية قالت: أخذ علينا النبيُّ ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفَتْ منا امرأةٌ غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة -امرأة معاذ-، وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى!


وكان في بني النجار: سهلٌ وسهيلُ ابنا رافع، صاحِبَا الأرضِ التي شرُفَتْ برَفْع مسجد رسول الله ﷺ عليها، وأبو أيوب، الذي نزل عليه النبي ﷺ أيَّامَ بناءِ مسجدهِ ومساكنِه، ونعيمانُ بن عمرو الذي كان مزَّاحًا صاحب دعابةٍ وأخباره مشهورة في ذلك، وأبو خزيمة بن أوس، الذي وجَدَ معه زيدُ بن ثابتٍ آخر آيتيْنِ من سورة التوبة أيامَ جمْعِ القرآن.


وكم تجِدُ في أحاديث الأنصارِ وأخبارِهم مَن لا يُعرَف إلا بيسيرٍ من الأمر، وما طار ذكْرُه إلا بقصةٍ أو اثنتين، وبعضُهم لُزَّ بِه لقبٌ صار علمًا عليه.. أبو داود بن عامر النجاري، حمَلَ يومَ بدرٍ على رجلٍ ليقتلَه، فوقعَ رأسُ الرجل قبل أن يصل سيفُه إليه، فعرَف أنَّ ملَكًا قد قتَله، وكعبُ بن زيد من بني النجار عاشَ مِن بين شهداء بئر معونة وبه جراحاتٌ، ثم استُشهد يوم الخندق!


البراء بن معرور من بني سلِمة، كان سيد الأنصارِ وكبيرهم يومَ العقبة وكان أوَّلَ مَن بايع النبي ﷺ كما يروي قومُه، وكان أوَّلَ مَن استقبلَ الكعبةَ للصلاةِ قبل تحويل القبلة وأولَ مَن استقبلَها ميتًا.. سعدُ بن خيثمةَ من بني غنم بن السلم من الأوس، اقترَعَ وأبوه للخروج إلى بدرٍ فطارتِ القرعة على سعد، فسألَه أبوه أن يؤْثرَه بالخروج فقال سعد: لو كان غير الجنة لَآثرتُك به، فخرج سعد فاستشهد ببدر، ثم خرج أبوه يوم أُحُد فقُتِل شهيدا!


أبو خيثمة من بني سالم بن عوف من الخزرج، كاد يتخلف عن تبوك ثم تدارَكَتْهُ رحمةُ ربه.. أما الثلاثة المخَلَّفون فهم مرارةُ بن الربيع من بني عبيد بن زيد من الأوس، وهلال بن أمية من بني واقف الأوس وكعب بن مالك من بني سلِمة من الخزرج، ومرارةُ وهلالُ لا يكادُ يُعرف عنهما غير هذه الحكاية وأنهما ممن شهد بدرًا.


زيدُ بن الدَّثِنة من بني بياضة من الخزرج، كان مضربَ المثل في محبة النبي ﷺ لمَّا سألوه وهم يمثِّلون به: أتحب أن يكون محمدٌ مكانَك، فأجاب بعزة المؤمن الصادق غير عابئٍ بهم: ما أحبُّ أن أكون وادعًا في أهلي ومالي وأنَّ محمدًا تَشوكُه شوكة!



ولقد حفظ التاريخُ للأنصار دقائقَ من أخبارهمْ لمْ تنِدَّ عن أقلامِ رُواتِه، وفرائد من مناقبهم ما كان لها أن تُطوى عن شُدَاتِه، حتى لو كان أكثرُ الناس لا يعرفونها ولم يُحِيطوا بها علما، هذا حرام بن أَبي كعب من بني سلِمة، هو الذي صلى خلفَ معاذ بن جبل، فلما طوَّلَ معاذٌ الصلاةَ، خرج حرامٌ هذا من الصلاة وصلى لنفسه.. الحارث بن خزمة من بني قوقل من الخزرج، هو الذي جاء بِناقة رسول الله ﷺ لمَّا ضلَّت في غزوة تبوك، وثابت بن الضحَّاك من بني سالم بن عوف من الخزرج، كان دليلَ رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسدِ، ورديفَه في غزوة الخندق.


جميع بن مسعود من بني سالم بن عوف، تصدَّقَ بجميعِ جَهازِه في سبيل الله، زيادُ بن السكنِ الأشهلي استُشهد يومَ أُحدٍ ووَسَّدَهُ النبي ﷺ قدمَه الشريفةَ، عمرو بن ثابت بن وقشٍ كان يقال له: أُصَيْرمُ بني عبد الأشهل، استشهد يومَ أُحُد ولم يسجُد لله سجدة، عبَّاد بن نُهَيك الخطمي الأوسي، أنذَرَ بني حارثةَ وهم يصلُّون إلى بيت المقدس، فتحوَّلوا إلى الكعبة في أثناء صلاتهم.


كلثوم بن الهدم أحدُ بني عبيد بن زيد، شيخُ الأوس وصاحبُ رحْلِ رسول اللهِ ﷺ وأولُ مَن نزل عليه النبي ﷺ بعد الهجرة وهو بقباء، وأوَّل الأنصار موتا بعد الهجرة.. عمرو بن معبد بن الأزعر الأوسي من بني ضبيعة بن زيد، أحدُ المئة الصابرة يومَ حنين، هكذا ذكَرَه التاريخ.. المنذر بن عمرو الساعدي شهيدُ بئر معونةَ كان يقال له: أَعنَقَ لِيَموتَ، وأعنَقَ: أسرَعَ السيرَ.. خزيمة بن ثابت الخطمي الأوسي يُعرَف بذِي الشهادتين، نُفيع بن المعلَّى من بني مالك بن زيد مناة من الخزرج، أوَّلُ قتيل من الأنصار في الإسلام قبل الهجرة النبوية.


عُبيد بن أوس الظفري الأوسي يُعرف بمقَرِّن، لأنه قرَن أربعةَ أسرى يوم بدر.. محمد بن أنس بن فضالة الظفري، مسحَ النبي ﷺ على رأسه ودعا له، فعُمِّرَ طويلًا وشاب رأسُه، وما شابَ موضعُ يدِ النبي ﷺ.. كما دعا النبي ﷺ لأبي زيدٍ عمرو بنِ أخطب من بني جشم بن الحارث بن الخزرج بالجَمال، فعاشَ مئةَ سنةٍ وليس في رأسهِ ولحيته شيْبٌ إلا نُبَذًا.. أبو قتادة السلمي يُعرَف بفارسِ رسول الله ﷺ، وله حكاياتٌ لطيفة حسنة.


عُبَيد السهام بن سلم بن ضبع من بني حارثة من الأوس، اشترى مِن سهام خيبر ثمانية عشر سهمًا فعُرِف بعبيد السهام، وبشير بن عنبس الظفري الأوسي كان يُعرَف بفارسِ الحوَّا، فرسٌ له كان يقاتل عليها، عبد الله بن زيد بن عاصم من بني الحارث بن الخزرج، أُرِيَ الأذانَ في المنام، وأمَّا أمُّ عليِّ بنت خالد بن تيم الأوسية من بني مرَّة بن مالك فقد كان بلالُ يؤذن على ظهر بيتها.


والشهادة في سبيل الله كانت ذائعةً في الأنصار عليهم رضوان الله، حتى لَتَشْعُر أنْ ليس في العرب أكثرُ شهيدًا منهم، ومهما قرأت من كتابٍ في ترجماتهم، فلن يخطئكَ العددُ الغفيرُ من الشهداء الأنصار في عهد النبوة وبعدَه في الصفحة الواحدة، لقد كانوا كما قال سعدُ بن معاذ: "إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء"، بل إن كثيرا منهم تجد ترجمتَه سطرًا أو دونَه، ونصفُ هذا السطر: "واستشهد يوم كذا".. وكان من بينهم مَن حاز أجرَ شهيدَيْن، فمنهم: خلَّادُ بن سويد من بني الحارث بن الخزرج، طرَحَتْ عليه امرأةٌ من اليهودِ رحى فقتَلَتْه وذلك في غزوة بني قريظة، ومنهم أيضا محمود بن مَسلمة من بني حارثة من الأوس، طُرِحَت عليه رحى أيامَ خيبر فاستُشهد.


وكان إياسُ وأنسُ ومالك، وعمير والحارثُ وعمرو وعامر، أبناءُ أوس بن عبيد الأوسيين -وهم من بني زعوراء بن جشم ويقال لهم: سكَّانُ راتج-، كانوا قد استُشهدوا جميعًا، قُتل إياس يومَ أُحد، وأنس يومَ الخندق، ومالك وعمير يومَ اليمامة، والحارثُ بأجنادين، وقُتل عمرو يومَ جسرِ أبي عبيد، وقُتل عامرُ يومَ الحرَّة!


وكان ممن التحق برَكْبِ الشهداء الأبرار: أيمنُ بن عُبيد الخزرجي مِن بني الحُبلى، وهو ابنُ أمِّ أيمن مولاة رسول الله ﷺ، وأخو أسامةَ بنِ زيدٍ لأمه، استُشهد يومَ حنين.


ومنهم رجلٌ شأنه عجيب، يقال له أبو عقيل الإراشي، وهو من بني أُنَيْف، حلفاء لِبَني جحجبى من الأوس، أصيب يومَ اليمامةِ فَشُطِبَ في غير مَقتلٍ ووَهَنَ شقُّه الأيسر فجُرَّ إلى الرحْل، ثم حَمي القتال فصاح معنُ بن عدي بالأنصار، فنهض أبو عقيلٍ وأخذ سيفَه بيمينه وجعَلَ ينادي بالأنصار ويخوض القتالَ، فمرَّ به ابنُ عمر وهو صريعٌ قد قُطعَت يدُه المجروحة، وكان به أربعةَ عشر جرحًا، كلُّها قد نفذَتْ إلى مقْتَلٍ، فاستُشهد رحمه الله.. وأبو عقيلٍ هذا كان قد تصدَّق أيام الجَهاز لغزوة تبوكٍ بِصاعٍ من تمر، وتصدق عاصمُ بن عديٍّ بمئة وسقٍ من تمر، فلمزَ المنافقون عاصما بالرياء، وسخروا من أبي عقيل بأن اللهَ غنيٌّ عن صاعِه!


وأمَّا مَعنُ بن عديٍّ، وهو حليف لبني عبيد بن زيد من الأوس، وأخو عاصمٍ المذكور آنفا، فإن الناس لما توفي رسول الله ﷺ قالوا: ودِدنا أنَّا مِتْنا قبله، فقال معنُ كلمةً خالدةً شنَّفَت مسامعَ الدهر: لكني ما ودِدتُ أني متُّ قبلَه، لأصدِّقه ميتًا كما صدَّقتُه حيًّا.


وخرج صيفيُّ بنُ ساعدة الأوسي مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فماتَ بمكانٍ يقال له: الكديد، فكفَّنَه النبي ﷺ في قميصه وصلى عليه.


ومن الطريف المستحسَن= ما روي أن رسول الله ﷺ نظَر إلى سعد بن حَبتة، وهو رجلٌ من بجيلةَ كان يُعرَف بأمِّه وهي من بني عمرو بن عوف من الأوس، نظر إليه يقاتل يوم الخندق قتالًا شديدا وهو غلامٌ حديث السن، فدعاه وقال: "من أنت يا فتى؟!"، قال: سعد بن حبتة، فقال النبي ﷺ: "أسعَدَ اللهُ جدَّكَ! اقترِبْ مني" فاقترَبَ منه فمسَح رأسه!


ولم يغِبْ عن نساء الأنصارِ حظُّهنَّ من الشهادة، فمنهنَّ مَن كانت تطلبُها في مظانِّها، ومنهنَّ مَن كانت الشهادةُ تسعى إليها وهي على فراشها، فأمُّ حرام خالةُ أنس بن مالك كانت تدعى الشهيدة، غزَتْ مع زوجها غزوةً في البحر فتوفِّيَتْ أثناء الغزوة، وكانت أمُّ ورقةَ بنتُ عبدِ اللهِ بن الحارث الأنصارية ممَّنْ لا يُعرف مِن أيِّ قبائل الأنصار هي، لكن وسْمَ الشهادة غلبَ عليها، كان النبي ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، وقال لها: "إن اللهَ قد مهَّدَ لكِ الشهادةَ، وقرِّي في بيتِك فإنكِ شهيدة"، فقُتِلتْ في بيتها!


وكان بعضُ الأنصارِ -مثل أم ورقة هذه- لا تُعرَفُ قبائلهم، ومنهم مَن لا يُعرَف اسمُه، فأبو الدحداح صاحبُ القصة المشهورة والعذق المذكورِ لا يُعرف له اسمٌ ولا نسب، وأمُّ عطيةَ الأنصارية التي يروى عنها الحديث في كتب السنة لا يُعرَف نسبُها، وأبو ريحانة الأنصاري مولى رسولِ الله ﷺ لا يُعرَف نسبُه لكنَّه وقعَتْ منه إبرةٌ في البحر، فأقسَمَ على اللهِ أن يردَّها إليه، فارتفَعَتْ حتى أخذَها.. ولم يكن يضيرُ هؤلاء القومِ خفاءُ أنسابهم وقد قامت بهم كرامتُهم عند الله ﷻ!


ولما توفي رسولُ الله ﷺ، وتأهَّبَ أهلُ بيتِه ليغسلوه، ناشدَهُمُ الأنصارُ حظَّهُم منه صلوات الله وسلامه عليه، فأمروهم أن يصطلحوا على رجلٍ منهم، فاصطلحوا على أوسِ بن خولِيٍّ، أحدِ بني الحبلى -وهم بنو سالم بن غنم بن عوف-، فكان الأنصاريَّ الوحيدَ الذي حضرَ غسلَ رسول الله ﷺ.


أما الذين امتدَّتْ أعمارهم وأُخِّروا بعدَ أصحابهم، فإنَّ مِنهم طائفةً من الأنصار، فآخرُ أهلِ بدرٍ موتًا= أبو اليَسَر كعبُ بن عمرو الخزرجي من بني سلمة، وآخرُ أهلِ بيعة العقبة موتًا= جابر بنُ عبد الله من بني سلمة، وآخرُ الصحابة موتًا بالشام= سهلُ بن سعد الخزرجي من بني ساعدة، وآخرهم موتًا بالمدينة من صغار الصحابة= محمود بن الربيع الخزرجي الحارثي، وآخرهم موتا بالبصرة= أنس بن مالك الخزرجي النجاري بل هو آخر أصحابِ رسول الله ﷺ وفاة، سوى أبي الطفيل الكناني، وآخرهم موتا بفلسطين= عبدُ الله بنُ أمِّ حرام الخزرجي النجاري ابنُ خالة أنس بن مالك.


ومن شجيِّ ما يُروى هنا عن أبي اليَسَر المذكور آنفا، أنه ذكَر قصةً وقعَتْ له على عهد النبي ﷺ، وفيها أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أمتِعْنا به"، فكان أبو اليَسر إذا حدَّثَ هذا الحديثَ بكى، وقال: أُمتِعوا بي لَعَمري حتى كنتُ مِن آخرِهم هَلْكًا!


وأنَّ سهلَ بنَ سعد قال: "لو مِتُّ لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسولُ الله ﷺ"، يعني أنهم لن يجدوا بعدَه مَن أدركَ النبيَّ ﷺ وسمع منه مباشرة، إشارةً إلى أنه مِن آخرِ الصحابة موتا.


وأنَّ أنسَ بن مالكٍ قال: ما بقيَ أحدٌ صلَّى القبلتين غيري.

.

  .

    .

ثم امتدَّ الزمانُ، وتفانى ذلك الصدرُ من الأنصارِ وأبنائهم وأبناءِ أبنائهم، حتى قال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم النجَّاري يومًا من الدهر: "ما بقيَ من أهل الدعوة غيري"، والدعوة التي يعنيها هي دعوة النبي ﷺ الخالدة: "اللهم ارحمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصار، وأبناءَ أبناءِ الأنصار"!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنوار أحمد!

"في ذكرى المولد، والهجرة، والوفاة" (عرضٌ مكثَّفٌ لسيرة الحبيب ﷺ) ========= 【 رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو...